السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

العلماء وتحضّر المجتمع



الجمعة, 18 يوليو 2008

من علائم تحضّر المجتمعات وتمدنها المكانة التي يتبوؤها العلماء فيها، فهؤلاء يحظون بمكانة خاصة ويتمتعون بسطوة كبيرة، وفي أحايين كثيرة يتعدى تأثيرهم ميدان اختصاصهم وعملهم. القوة المؤثرة للعلماء- في كافة حقول المعرفة- يستمدونها من كونهم الأوائل في اجتراح الأفكار واكتشاف الحقائق، ومن ثم فإن لهم اليد الطولى في رسم خيارات المجتمع الذي ينتمون إليه، أو المجتمع الإنساني بصفة عامة.

ذلك الأمر يشير إلى عظم المسؤولية التي تنوء أكتاف العلماء بثقل حملها، وبخاصة حينما يضفي عليهم الناس ضرباً من الوثوقية واليقين، افتتاناً بهم أو مغالاة بالطريقة التي يعملون بها. وفي تلك الجزئية تحديداً يرتسم في ظني الخط الفاصل بين المجتمعات المتقدمة وتلك المتأخرة معرفياً، ففي حين تخضع الأولى العلماء وغيرهم لمقاييس النقد والمساءلة، تعتقد الثانية بأن ما قد بلغوه من مكانة يشكل دريئة لهم عن امتهان وعقاب ما كان حرياً تعريضهم له.

في هذا السياق، تابعت عن كثب حادثة البروفسور جيمس واطسون، مكتشف تركيبة الحمض النووي DNA ، والذي يعد في نظر الكثيرين أبرز عالم في هذا العصر، وذلك ليس من باب المبالغة فقد نال جائزة نوبل، وتولى التدريس في أعرق الجامعات العالمية، كما أنه فتح الباب عريضاً لما اعتقد بأنه الثورة الكوبرينكية الرابعة التي ستقلب مفاهيم كانت ترتقي إلى سوية اليقين فيما خص الإنسان وحياته.

حفر واطسون قبره العلمي والمهني بيديه حينما صرح لجريدة بريطانية بأنه «غير متفائل بالنسبة لمستقبل أفريقيا، وبأنه يعتقد أن كافة السياسات الاجتماعية كانت تفترض دوماً بأن الأفارقة على قدر متساو من الذكاء مع الغربيين، في حين تدلل الاختبارات جميعها على نقيض ذلك».

لم تغفر مكانة واطسون العلمية له ما تلفّظ به لسانه، وانتظرت الدوائر الفكرية والسياسية في الغرب دحضاً منه لما نقلته الصحيفة عنه، ولكنه آثر الصمت إقراراً منه بصحة ما نُقل على لسانه. يومذاك كان واطسون يقوم بزيارة إلى بريطانيا وجدول زيارته مزدحم بمحاضرات كان مقرراً أن يلقيها في جامعات عريقة مثل لندن، أكسفورد، كامبريدج، نيوكاسل، أدنبرة وغيرها، ولكن تلك الجامعات ألغت- بسبب تصريحاته- الدعوات الموجهة إليه، فما كان من واطسون إلا مغادرة بريطانيا عائداً إلى جامعته ومختبره في أميركا، ولم يمض سوى وقت قصير حتى أعلنت الجامعة استغناءها عنه وسحب كافة الامتيازات الأخرى منه.

ذلك يعد درساً بليغاً مفاده أن الفرد مهما بلغت مكانته العلمية أو الفكرية فإنه ليس بمنأى عن النقد والمساءلة والمحاسبة، وتلك الممارسة تشير أكثر من غيرها إلى الدرجة التي ارتقى إليها المجتمع من التحضر والتمدن.

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.