السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

توديع الخيال



الجمعة, 18 يوليو 2008

توديع الخيال

لطالما استهوتني الفلسفة اليونانية في طورها القديم، وتحديداً تلك التي نشأت وترعرعت في أثينا، والهوى مثلما هو معروف أعمى يستعيض به صاحبه عن الواقع لرؤية ما استحال عليه رؤيته أو ما ينشده خياله. ولكوني كنت مأخوذاً بالفلسفة والديمقراطية الأثينية وبعظماء أهلها كسقراط، وأفلاطون، وأرسطو- على الرغم من أنه لم يولد بها- لم أفلح في كبح جماح خيالي الخصب عن التلذذ بإيجاد نوع من التماهي بين الكويت وأثينا القديمة. فكنت أرى كلتيهما متشابهتين من حيث كونهما مدينتين، دولتين، أو ما يعرف باليونانية Polis ، فهما دولتان أقرب ما تكونان إلى المدينة. كما أنهما على النقيض من الدول المحيطة بهما والتي احتشد أهلها حول معبد ديني أو سلطة عسكرية، كانتا متفردتين بالديمقراطية، الأغورا في أثينا ومجلس الأمة في الكويت. من جانب آخر عانقت كل منهما البحر ما جعلهما تشهدان شهية مفتوحة لقيم التسامح والمعرفة، فأثينا القديمة انطلقت عبر البحر لتختلط بالشعوب والأماكن المختلفة، وكذلك الكويت التي برع أهلها في التجارة والسفر إلى مناطق مختلفة. كما أن وجهاً آخر للشبه ظل دوماً عالقاً في خيالي، يتمثل في أن أثينا شهدت حرية للتعبير عن الرأي والفكر، آيته الكبرى كانت محاورات سقراط وجداله مع مواطنيه في أسواق المدينة وطرقاتها، في حين إن الكويت شهدت تجربة متقدمة في ممارسة حرية الرأي والبحث العلمي وإنشاء الصحف، والأهم من ذلك ظاهرة الدواوين التي أراها أقرب ما تكون إلى أثينا القديمة. في الوقت عينه كنت أوحّد بينهما في التأثير الثقافي الذي مارسته أثينا على محيطها، وذلك الذي اختارته الكويت وانتهجته بوصفها مصدراً للثقافة يمتد تأثيره إلى أنحاء العالم العربي، ربما كان ذلك سببه وجه شبه آخر بينهما هي الثروة التي كان ينعم بها أهلهما.

يبعث على الحزن النظر فيما آلت إليه الحال في الكويت الآن، والتراجع الكبير الذي أصاب مفاصلها في العقدين الأخيرين، وكأن ارتخاء كريها قد لحق بحركة المجتمع، فأضحينا أنفسنا بدلاً من تأسيس مجتمع مستنير متقدم نحاول تخفيف وطأة ما أصبح شبيهاً بنزعات عشائر بدائية لكل منها بقرتها المقدسة.

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.