السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

«لبنان الأخضر» بين غابات الإسمنت والأسفلت




Saturday, 26 يوليو 2008
بيروت - ألبير خوري

«الأخضر» ضحية المدنيّة التي لا ترحم

«لبنان الأخضر الحلو»، لبنان «الحلم» و«قطعة السما»، كما أنشده الشعراء وغنّاه المطربون وكتب عنه الرحّالة والمستشرقون قديماً وحديثاً، تحوّل بسرعة قياسية، وفي أقل من ثلاثة عقود من الحروب والأزمات، إلى مساحات إسفلتية وغابات من الإسمنت تفترس عشوائياً سواحله من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، كما تغتصب جباله وسهوله وبقاعه بعدما عملت المعاول والجرّافات «الاحتكارية» من جهة، وغضب الطبيعة من جهة ثانية، إلى العبث والتلاعب بمكوناته البيئية وثرواته.

لقد حذّر علماء البيئة، اللبنانيون والعرب، من خطورة هذه الظاهرة ومن استفحالها مشيرين في عشرات التقارير والدراسات إلى خطورة اقتلاع وحرق الأخضر وتحويله إلى كتل من الحجارة المتراصة بعضها فوق بعض أو التي تمتد أفقياً لتلتهم رئة الوطن والمواطنين ولتُدخل البلاد في مرحلة تصحّر وجفاف تنعكس سلباً على طبيعة لبنان وبيئته للسنوات القليلة المقبلة، ما لم يبادر المسؤولون -وخصوصاً وزارتي الداخلية والبيئة- إلى تدارك الأمر قبل فوات الأوان وقبل أن يصبح المثل «في الصيف حريق وفي الشتاء غريق» أمراً واقعاً، حسب هذه التقارير.

ويُجمع الخبراء على أن لبنان سوف يشهد حتى العام 2020 مرحلة جفاف تتفاوت حدّتها بين سنة وأخرى، وسوف تطول تلك المتغيرات المعدّل السنوي لدرجات الحرارة والتي تتراوح بين التجمّد وبين ما يزيد على 40 مئوية، حسب المواسم والمواقع.

وكشفت التقارير بوضوح التأثير الهائل للظواهر المناخية على استخدام الأراضي وإنتاجيتها، مع الإشارة بشكل خاص إلى المراعي والمناطق الزراعية الآخذة بالتناقص في المدن الساحلية والمناطق الجبلية لمصلحة الاستثمارات العقارية المتنامية، المحلية منها والعربية، وإلى التآكل والتصحّر بفعل التبدّلات المناخية المتسارعة.

وحسب الهيئة الحكومية المعنية بالتغيّر المناخي، فمن المحتمل أن يؤدي ازدياد التبخر وزيادة الجهد الحراري، إلى متطلبات مائية إضافية لزراعة المحاصيل فضلاً عما تحمله هذه العوامل من تأثيرات تؤدي إلى انتشار الآفات والأمراض النباتية.

إلى ذلك، أشارت تقارير صدرت مؤخراً عن وزارتيّ البيئة والزراعة اللبنانيتين، إلى أن «استيلاء» البناء على الاراضي الزراعية المنتجة، فضلاً عن عوامل التصحّر التي تخضع لتأثيراتها السلبية العديد من المناطق الجبلية، يؤديان إلى انخفاض ملحوظ في الإنتاجية وانحسار في طبقات التربة ذات الخصوبة العالية، كما تُلحق تحركات الرياح أضراراً بالبُنى التحتية وآثاراً سلبية على الصحة والأنشطة الاجتماعية وإلى تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة.

لبنان يختنق.. والسلطات كذلك

يبدو أن تقارير خبراء المناخ الدوليين عموماً واللبنانيين خصوصاً، ودعوتهم السلطات المعنية إلى ضرورة الإسراع في معالجة الأسباب والأخطار التي تهدد بيئة لبنان وطبيعته ظلت حبراً على ورق، ربما لأن لدى السلطات ما يكفيها من الهموم السياسية والأمنية والاقتصادية... لكن ما لم تلحظه هذه السلطات هو أن لبنان دخل، ومنذ نحو 10 سنوات، مرحلة التهديد البيئي وبات ضحيتها، خصوصاً في عاصمته بيروت ومدنه الكبرى التي تحولت إلى غابات من الإسمنت تمتد عمودياً وأفقياً وبكل الأحجام والأشكال.

وتُعتبرُ بيروت نموذجاً واضحاً لما يمكن أن يطلق عليه اصطلاحاً «غابة من الإسمنت»، إذ يعيش فيها ما يزيد عن مليوني نسمة ويتنفسون من خلال خمس حدائق بالكاد يكفي هواؤها بضعة آلاف من المواطنين المغلوبين على أمرهم.

الدكتور رياض العلايلي، رئيس لجنة الحدائق في بيروت، يؤكد من ناحيته أن المساحات الخضراء غير كافية على الإطلاق في العاصمة، مشيراً في الوقت نفسه إلى وجود مشاريع لتحسين الأوضاع من خلال تحديث «المخطط الأخضر»، الذي يعود تاريخه إلى أواسط تسعينيات القرن الماضي. وهناك أبحاثٌ لتحويل بعض أملاك البلدية إلى حدائق عامة واستملاك أراض أخرى لهذه الغاية.

سلمان عباس، الناشط البيئي وأحد مؤسسي الحملات المدنية لزيادة المساحات الخضراء في بيروت، اقترح على مدى السنوات الثلاث الأخيرة أكثر من حلّ لمواجهة التدمير البيئي الذي تتعرض له بيروت، لكنه «ظل صوتاً في سراب» كما يقول.

ويضيف عباس ان القرار سياسي كما هو حال كل شيء في لبنان، خصوصاً أن المواقع التي يمكن تحويلها إلى حدائق ومتنزهات في العاصمة، ترتبط فوائدها الاستثمارية بطريقة أو بأخرى بمصالح بعض العائلات البيروتية النافذة سياسياً ومالياً، ومثال ذلك الأرض التي يقع فيها مضمار سباقات الخيل، والتي تبقى آخر الحلول المُحتمَلة للاستثمار أمام البلدية، وخصوصاً إذا أقيمت على امتداد هذه المساحة البالغة حوالي 122 ألف متر مربع المسارح والملاهي التي يمكن أن تشكل ملتقىً ينتفع به سكان العاصمة، على غرار ما أصبح عليه وسط بيروت بعد إعادة إعماره.

وفي كل الأحوال، يؤكد عباس، فإن حديقة تُقام على هذه المساحة الواسعة، بما يمكن أن تضمه من وسائل تسلية وترفيه، يمكن أن تكون متنفساً للعاصمة المضغوطة ولأبنائها المضغوطين أيضاً حتى الانفجار، على حدّ تعبيره.

التسرّب النفطي والأكياس البلاستيكية

الشواطئ اللبنانية ليست بمنأى عما تتعرض له تربة البلاد وأراضيها من أخطار وسموم. وقد تكون هذه الشواطئ هي الأكثر تضرراً، خصوصاً بعد حرب يوليو (تموز) 2006، حيث تعرضت مصافي النفط لقصف إسرائيلي عشوائي أدى إلى تسرّب النفط والزيوت السامة من شواطئ صور في الجنوب إلى شواطئ البترون في الشمال، ما تطلب إجراء عمليات تنظيف وشفط تكفلت بها منظمات دولية وأهلية، وقد تجاوزت أخطار تلك السموم البيئة المحلية إلى الصحة العامة وعرّضت عشرات المواطنين للإصابة بأورام سرطانية.

وكما الزيوت السامة، هناك مياه الصرف الصحي للفنادق والمسابح والمطاعم التي تنتشر على الشواطئ، والتي بدورها تفرز فضلاتها من المياه الآسنة في قلب البحر، ما يزيد في تلوثه ويعرّض السابحين لأمراض مِعَدية ومَعَوية متنوعة.

إضافة إلى ذلك، تنتشر مَكبّات النفايات في أكثر من موقع على الشواطئ، وقد تحوّل بعض هذه المكبات إلى تلال من القاذورات تتسع باستمرار لتنفث كل أنواع السموم، فضلاً عمّا تلفظه المستشفيات من مواد كيماوية وملوثات تجعل من هذه الشواطئ ورمالها وأرصفتها مصدر ضرر للناس والبيئة، وهو ما يعترف به المسؤولون اللبنانيون على كل صعيد.

وتشكل الأكياس البلاستيكية ضرراً مزدوجاً في ظل الافراط غير المبرر في استعمالها وغياب التوعية. فهذه الأكياس تطلق أثناء احتراقها مُركبات سامة مثل البوليفيل كلورايد والبوليسترين والبوليتيلبين والبريفتاليت. وتسعى بعض الشركات إلى تسويق أكياس قابلة للتحلل بيولوجياً أو مناسبة للتسميد، لكن ارتفاع تكاليف تصنيعها جمّد المشاريع الخاصة بذلك، كما تأكد من خلال تجربة مَكبّ النورماندي في قلب العاصمة، الذي استغرقت عمليات تأهيله من قِبَل شركات متخصصة عدة سنوات، ولمـّا تأكد عدم جدوى العملية تقرر التخلص من الأكياس بطمرها في مَكبّ سبلين.

من هذا المنطلق، تدعو الجهات المعنية في لبنان إلى تطوير الطاقات المتجددة بهدف استغلالها على أوسع نطاق، خصوصاً الطاقة الشمسية التي بدأت تأخذ حيزاً كبيراً من الاهتمام، كما يقول المهندس بيار خوري المسؤول في مشروع ترشيد استهلاك الطاقة الذي يموله برنامج الامم المتحدة (UNDP) بالتعاون مع المركز اللبناني لترشيد استهلاك الطاقة.

ويبقي أن وزارة البيئة اللبنانية، على تواضعها، تستحق أن تكون سيادية، لأنها ووزارات الاقتصاد والشؤون الاجتماعية والسياحة تعتبر من وزارات مستقبل لبنان. أما وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والمالية، فهي من وزارات الماضي. وطالما أن اللبنانيين يتصارعون على الماضي فإنهم لن يطؤوا عتبة المستقبل.

تجربة رائدة.. لحماية البيئة

معاناة بيروت «المضغوطة» عقارياً وسكانياً، هي معاناة كل لبنان وكل اللبنانيين.. برد يخترق العظام شتاءً وحرارة تحرق الأعصاب صيفاً، وفي ذلك تحول جذري في البيئة اللبنانية، الأمر الذي يدعو إلى ابتكار حلول.

وهذا تماماً هو ما فعله الناشط البيئي ورئيس جمعية «الأرض-لبنان» بول أبي راشد في تجربة رائدة من المأمول تعميمها على سائر مناطق البلاد.

تتلخص تجربة أبي راشد في أنه أدخل الماعز إلى غابة «خندق الرهبان» في بعبدا لمدة أربعة أشهر في فصل الشتاء، بهدف إزالة الأعشاب التي يُحتمل أن يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى احتراقها خلال فصل الصيف.

عن تجربته يقول بول إنه يسعى من خلالها إلى مكافحة الحرائق المحتملة، وهو ما يشهده لبنان بين الحين والحين. وقد تعاون على تنفيذها مع رعاة الماعز المحليين ومع الرهبنة «الأنطونية» مالكة الأرض. ويشير بول إلى أن التجربة نجحت حتى الآن، حيث إنه لم تقع حرائق في الغابة المذكورة منذ نحو خمس سنوات، ولعلها الطريقة المثلى للمحافظة على الغابات التي تشكل جزءاً أساسياً من بيئة لبنان وطبيعته الخضراء.

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.