الذهب.. معدن نفيس يخفي وجهاً في غاية القذارة
عندما تفكر بالذهب، ما الذي يخطر ببالك؟ صوت رنين السبائك في البنوك؟ أم الفوز بفرصة ذهبية أو ربما بناء مستقبل ذهبي؟
منذ زمن بعيد والذهب يُعتبر أنفس المعادن وأرفعها قيمة؛ فهو يرمز للمال والجاه والسعادة. لكن هذه الصورة الذهبية البراقة ليست إلا غطاءً لواقعٍ قذر. إذ إن التوصل إلى هذا المنتج الكمالي باهظ الثمن يتوقف كلياً على ممارسة صناعة تُعتبر من أكثر صناعات العالم استغلالاً للبيئة والمجتمع. يقول بايال سامباي، مدير حملة (لا للذهب القذر) التي أطلقتها مؤسسة أوكسفام: «أستطيع القول إن التنقيب عن الذهب، وفقاً لمقياس المردود، يكاد يكون الصناعة الأكثر تدميراً للبيئة والحياة في العالم؛ حيث إن صناعة خاتم زفاف لا يتجاوز وزنه 10 غرامات ينجم عنها قرابة 20 طناً من نفايات المناجم».
ثلثا الذهب الموجود في العالم يتم استخراجه من مناجم مفتوحة وضخمة جداً لدرجة أنه يمكن رؤيتها من الفضاء الخارجي؛ حيث تعتبر هذه المناجم بمثابة كارثة بيئية، نظراً لما تتسبب به من تلويث للهواء والتربة والمياه، ولما تخلِّفه وراءها من كميات كبيرة من النفايات، التي يصل ارتفاع بعضها إلى ارتفاع بناية مكونة من 30 طابقاً، والتي ترشح منها المعادن السامة والأحماض. لقد جعلت نفايات المناجم نسبة الحموضة في المياه الجوفية أعلى بآلاف المرات من نسبتها في البطاريات.
تُستخدم في صناعة الذهب مواد سامة كثيرة من بينها حمض الكبريت، القادر على تلويث البيئة والمياه الجوفية لعدة قرون. وهناك أيضاً السيانيد، الذي يُستخدم لاستخلاص الذهب من الرِّكاز، والذي يُصنَّف على أنه مادة شديدة السمية على البشر والحيوانات- حيث إن جرعة واحدة منه بحجم حبة الأرز كافية لأن تودي بحياة شخص. إلى جانب الزئبق الغني عن التعريف.
بشكل عام يؤدي حفر المناجم على نطاق واسع إلى الدمار والتلوث وتشوه المنظر الطبيعي العام. لكن في العديد من الدول النامية لا يتم تغريم الشركات المسؤولة عن ذلك، من أجل التخفيف من آثار هذا التلوث، علماً أنها تبني ثروات ضخمة عبر هذا التدمير المنظم. فالمكاسب تذهب جميعها للمستثمرين الأجانب والحكومات المركزية، وليس لأفراد المجتمع، الذين يُعتبرون المتضررين الحقيقيين من هذه المناجم- من خلال تلوث البيئة التي يعيشون فيها، وخسارة مساحات واسعة من أراضيهم التي كانوا يستثمرونها زراعياً لتأمين لقمة العيش، وتردي الوضع الصحي العام.
إلى جانب ذلك ارتبط التنقيب عن الذهب أيضاً بانتهاكات حقوق الإنسان والتهجير الإجباري للسكان. وقد أشارت إحدى الدراسات إلى أنه بين عامي 1995 و2015 قرابة نصف الذهب الموجود في العالم- سواءٌ الذي تم استخراجه أو الذي سيتم استخراجه- هو من أراضٍ تم انتزاعها بطريقة أو بأخرى من أصحابها الحقيقيين. أما المناجم الصغيرة فلها مشاكلها الخاصة، والتي ليس أقلها التلوث بالزئبق وتشغيل الأطفال في أعمال التنقيب، وهو ما تصنِّفه منظمة العمل الدولية على أنه أحد «أسوأ أشكال عمالة الأطفال».
إذاً ما العمل؟ «يجب سنّ قوانين خاصة بإنتاج الذهب، بشكلٍ يجعل الشركات المنتجة تدفع ثمن الضرر الذي تلحقه بالبيئة»، تقول ستيفاني روث، الصحافية المتخصِّصة في شؤون البيئة، والتي كانت قد ساهمت في حملة من أجل إيقاف بناء منجم للذهب في إحدى قرى رومانيا. وهي حالياً عضوٌ في ائتلاف مكوّن من عدة منظمات غير حكومية تسعى لتمرير ميثاق يقضي بحظر السيانيد في رومانيا. وفي حال نجحوا في ذلك وتحول هذا الميثاق إلى قانون، فإنه سيؤدي إلى إيقاف بناء هذا المنجم؛ وسيتحول الأمر إلى سابقة يمكن أن تقتدي بها الدول الأخرى.
وتضيف ستيفاني: «دائماً تخرج شركات التنقيب من هذا التدمير الذي تلحقه بالبيئة دون محاسبة، بسبب عدم وجود قوانين تكفل ذلك. وإذا لم تحدث تغييرات، فإن المزيد من الغابات النائية سوف يختفي، كما أن المزيد من الناس سيتم ترحيلهم من أراضيهم. فهل تريدوننا أن نسكت على هذا؟ هل تريدوننا أن نسكت على إطلاق أطنان من السيانيد- الذي استخدم في شكله الغازي من أجل قتل اليهود في معسكرات أوشفيتز ومايدانيك- ضمن بيئتنا سنة تلو أخرى؟ فهل هذا هو التقدم، وهل يجدر بنا الموافقة على التزين بمثل هذا الذهب؟ إن الحياة أغلى من الذهب».
عن «ذا إيكولوجيست»





أضف تعليقك