الإنسان ينكر...والبيئة تستنكر
منذ أن استخلف اللهُ الإنسانَ في الأرض، وهذا الأخير يعيث فيها فساداً وإفساداً، يستمرئ الجحودَ ويكفر بالنعمة.
ومنذ أرسل الله الغُرابَ يعلم قابيلَ كيف يواري سَوْءة أخيه هابيل، والإنسان ينتقم من الحيوان الذي كشف سرّه ومن الأرض التي شهدت جريمته ومن النبات الذي ستر عورته.. يقتل للقتل، ليس للبقاء عنده اعتبار ولا لتوازن الطبيعة عنده مِن عِبرة!
من حقّ الحيوان والنبات والماء إذن أن يغادروا الأرض استنكاراً، فمنهم مَن ينقرض ومنهم مَن ينتظر، فيما الجاحدُ الناكرُ يُمعن في القتل ويجوب الأرض من أطرافها يستجدي حُكماً بالبراءة ممـّا فعلت يداه، وليس لدى الجاحدين مثله من صكوك، ولا لهم في الغفران مِن أمل.
فالبيئة التي أعطت الإنسانَ منذ بداية الخلق كل شيء ولم تستبقِ شيئاً، اتخذت قرارها بأن تترك الناكر الذي يخبط خبطَ عشواء يواجه مصيرَه المحتوم، ربما لتتخلص منه إلى غير رجعة، مثله مثل الأمم التي سادت ثم بادت، لتعيد تشكيل حضارات جديدة تأكل ولا تنكر، وتبني ولا تدمّر، وتواري سيئاتها ولا تتجبّر.
ومن حق الجيل القادم إلى الأرض أن يجد في مَنبته الأول، ومنذ بدء تكوينه علقةً فمضغة، أسرة «خضراء» تـُُنشئه على الفطرة بأن الإحسان لا يَصحّ أن يكون جزاؤه إلا الإحسان، وأن العطاء لا يصحّ أن يُردّ بغير الوفاء، وأن العرفان للطبيعة الأم لا يصحّ بأن نأكلها لحماً ثم نرميها عظماً.
وبخلاف ذلك، يكون من حق المؤتمرات أن تفشلَ وأن تخرج بنتائج هي إلى الهزل أقرب منها إلى الجدّ، ومن حق البيئة أن تُسرع الخطى إلى الانتحار فيما أصحاب القرارات البيئوية العتيدة في أبراجهم العاجية، لا ينزلون منها ولا عنها يتنازلون!
فما معنى أن يجرّ المرء ثوبه خُيلاءً والبيئة مِن حوله فوضى تعافها النفوس.. وأن يَعبقَ المكان بالعطور وقيْدَ أنملة منه قذارة تزكم الأنوف.. وأن تتردد في أرجائه أنغام حالمات وعلى مقربة منها صخبٌ وفوضى يَنفر منهما القاصي قبل الداني؟!
هو الإنسان يأكل ثم ينكر، يعيث في الأرض فساداً وإفساداً، يستمرئ الجحودَ ويكفر بالنعمة.. وهي الأرض تستنكر، تدفع به وهو عنها غافل إلى مواجهة مصيرَه المحتوم، تقول له بملء فيها: حَذارِ حَذارِ من فتكي وبطشي!!





أضف تعليقك