تجميد مجموعة الخرافي بعض استثماراتها يثير أزمة في مصر
![]() |
هل فشلت الحكومة المصرية في قراءة المستقبل؟ وهل ستخرج من جنة الاستثمارات العربية والأجنبية؟ أكثر من علامة استفهام وسؤال يدور على الساحة الاستثمارية في مصر.. بعد قرار تجميد مجموعة «الخرافي» جزءا من استثماراتها احتجاجا على قرارات 5 مايو (آيار) برفع الحكومة المصرية أسعار الطاقة وإلغاء الإعفاءات الضريبية على الشركات العاملة بنظام المناطق الحرة، وهو ما سبّب ارتباكا لدراسات جدوى هذه الشركات.
لم يكن قرار «الخرافي» هو الأول وإنما سبقه قبل ذلك قرار «القلعة» بتجميد مشروعاتها في الأسمدة التي تبلغ نحو 2.4 مليار دولار.
لا خلاف على أن قرار مجموعة «الخرافي» بتجميد استثماراتها في العين السخنة لإنشاء مجمع متطور كامل لتكرير البترول والكيماويات بطاقة مبدئية 140 ألف برميل يوميا، سيكون نكسة -بلا أدنى شك- للاستثمار العربي والأجنبي في مصر، فتجميد هذا المشروع المعروف بـ«ميدور السويس» سيحرم مصر من استثمارات خارجية قيمتها أكثر من 5 مليارات دولار.. كما سيؤدي إلى فقدان أحد المصادر التي تؤمّن الاحتياجات من البترول خصوصا السولار والبوتاجاز بدءا من العام 2012، وبالتالي ضياع الآلاف من فرص العمل.
فقرار التجميد لم يأت من فراغ وإنما كان احتجاجا على القانون 114 لسنة 2008 الصادر في 5 مايو بإلغاء سريان نظام المناطق الحرة الذي نص على عدم جواز الترخيص بإقامة مشروعات بنظام المناطق الحرة في مجال صناعات الأسمدة، والحديد والصلب، وتصنيع البترول وتسييل ونقل الغاز الطبيعي، ونظرا لأن القانون يسري على شركة «ميدور السويس» فإن ذلك يترتب عليه من وجهة نظر الشركة تغيير في الأسس التي قامت عليها دراسة الجدوى الخاصة بالمشروع نتيجة تغيير النظام القانوني الخاضع له الشركة، من شركة منطقة حرة غير خاضعة للضرائب إلى شركة بنظام الاستثمار الداخلي، ومن دون إعفاءات ضريبية.
وعلى رغم نفي الشركة الإقدام على هذه الخطوة إلا أنها أثارت قلقا في أوساط الاستثمار وعلامات استفهام في شأن وضع باقي الشركات العاملة بنظام المناطق الحرة، والبالغ عددها 39 شركة، وما إذا كانت هذه الشركات ستتعامل بمنطق «ليّ الذراع» حتى تخضع الحكومة لإرادتها وتعيد النظر في القرارات.
في حقيقة الأمر أن 39 شركة من الشركات كثيفة استخدام الطاقة صارت بعد قرارات 5 مايو خاضعة للضرائب، وهي شركات تعمل في الأسمدة، والغاز، وتضم 12 شركة للأسمدة منها القابضة المصرية الكويتية، والمصرية للأسمدة، والإسكندرية للأسمدة، وحلوان وتخضع هذه الشركات للضرائب على الدخل بنسبة 20 % بخلاف رفع أسعار المواد البترولية.
والمراقب لا يتوقف عند مجموعة «الخرافي» وقرار تجميدها، وإنما اتجهت بعض الشركات قبل ذلك لتنفيذ مثل هذا النوع من جس النبض، ومنها مجموعة «القلعة» التي جمدت مشروعا بتروليا باستثمارات تبلغ 2.4 مليار دولار احتجاجا على القرارات أيضا، وقبل «القلعة» كانت أوراسكوم للإنشاء والصناعة كادت تسبب كارثة في البورصة بعد عمليات التخارج المكثف للأجانب من السهم، مما دفع المؤشر الرئيس للبورصة -نظرا لاستحواذ الشركة على نسبة كبيرة من الوزن النسبي للمؤشر- إلى التراجع، لتفقد السوق وقتها أكثر من 500 نقطة، ولكن إنقاذا للموقف أعلنت الشركة أنها لم تتأثر من هذه القرارات.
وإذا كانت مجموعة «الخرافي»، و«أوراسكوم» أعلنتا موقفهما فإن شركة «العرفة» للاستثمارات المالية -وهي من ضمن الشركات العاملة بنظام المناطق الحرة- لم تتأثر بفرض الضرائب أو رفع المواد البترولية، نظرا لاعتماد الشركة على نسبة بسيطة من الطاقة لا تتجاوز 4 % من تكلفة الإنتاج، على حد تعبير مجلس الشركة.
إذا كان هذا موقف الشركات فماذا عن الحكومة؟
الحكومة بررت إخضاع الشركات للضرائب بحصولها على أسعار رخيصة لخامات الأسمنت والأسمدة من المحاجر، مما أدى إلى بدء الحكومة في مراجعة أسعار الخامات مرة أخرى وتسعيرها وفقا للأسعار العالمية، وبالتالي العمل على رفعها حتى تستطيع الحكومة مواجهة العجز في الموازنة، وتدبير موارد العلاوة.
وفي حال إصرار مجموعة «الخرافي» على تجميد المشروع ستجد الحكومة نفسها في ورطة، وستُحرم من الاستثمارات العربية والأجنبية، وتخرج من جنتها على حد تعبير الخبراء والمستثمرين، مما سيكون له الأثر الأكبر على معدلات النمو الاقتصادي.
«دائما ما تصدر القرارات لدينا بعشوائية، من دون دراسة متأنية لتأثير هذه القرارات مستقبلا إيجابا وسلبا» هكذا بدأ نائب رئيس الشعبة العامة للمستثمرين باتحاد الغرف التجارية عادل العزبي واصفا قرارات الحكومة الصادرة 5 مايو الماضي وانعكاساتها على الاستثمار.
وقال إن «كل وزير أو مسؤول عندما تدور بداخله فكرة ما يسارع بتنفيذها، من دون عرضها على زملائه من المتخصصين في القطاعات الأخرى، وتأثير ذلك على باقي القطاعات سواء بالإيجاب أو السلب».
«والدراسة المتعمقة لدى أي مسؤول تكون غائبة، وبالتالي يكون تأثيرها سلبيا وسيئا، إذ ينظر لمصلحة وقتية فقط».
واستشهد في هذا الصدد ببعض الدول العربية وفي مقدمتها الإمارات والبحرين، فعندما يقوم المسؤولون في الدولتين باتخاذ قرار يتعلق بالاستثمار فإن التنفيذ لا يكون إلا بعد عامين من القرار وذلك لإتاحة الفرصة أمام الشركات القائمة بتصحيح أوضاعها وفقا للأسس الجديدة، خصوصا طبيعة الاستثمار تقوم على دراسات جدوى توضع فيها جميع العناصر والعوامل والمزايا، الحوافز والتشريعات القائمة وقت دراسة المشروع مع الوضع في الاعتبار الفترة اللازمة لتنفيذه، وبالتالي توليد العوائد، وتحقيق الأرباح.
فمن غير المعقول -على حد قوله- أن يفاجأ صاحب المشروع بقرار إداري يعمد إلى هدم كل الأسس التي تقوم عليها الدراسة من حيث التكلفة وحجم العائل، وإعادة نظر العديد من الشركات لمشروعاتها نتيجة تغييرها لجزء من أساساتها بما يتلاءم والقوانين الجديدة.
وعلى حد تفسير رئيس القطاع التجاري بشركة «لا فارج الفرنسية» مدحت اسطافونس فإن القرارات الانفعالية دائما ما تكون ردود فعلها ذات آثار سيئة، فحينما قامت الحكومة برفع أسعار المواد البترولية، وإلغاء الإعفاءات الضريبية على الشركات كثيفة استخدام الطاقة، كان همها الأول هو توفير موارد لسد عجز الموازنة، من دون النظر إلى المستقبل أو التنبؤ، حتى لو كان القرار نفسه يحمل صفة الإيجابية فإن عواقبه ستكون وخيمة لافتقار عنصر التنبؤ، وهو أمر مطلوب في المشاريع الاقتصادية.
ووفقا لقوله فإن التأثر يتفاوت بين شركة وأخرى، حسب دراسات الجدوى، التي تختلف بين الشركات، إذ يكون لكل مشروع ظروفه الخاصة.
إعادة نظر
ووفقا لما يراه رئيس جمعية رجال الأعمال السابق عادل جزارين فإن هذه القرارات ستدفع كل الشركات العاملة بنظام المناطق الحرة «إعادة» النظر في دراسات الجدوى التي قامت بإعدادها، بناء على ما يُستجد من قرارات.
وقال إنه «على رغم سلبيات القرارات إلا أنه تتوافر لدينا عناصر جذب قوية للاستثمارات الخارجية، في مقدمتها أسعار الأراضي، وأجر العامل، وكل هذه عناصر تساهم في استقرار الاستثمارات الخارجية على أرضنا».
«وبالتالي مهما حدث من قرارات لن تضر بمصلحة استقرار الاستثمار».
وحسب تعبير رجل الأعمال وعضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى المهندس مجدي عفيفي فإن ما تتجه إلى تنفيذه بعض الشركات العاملة في المناطق الحرة بمثابة عملية «لي ذراع» الهدف منها الضغط على الحكومة كي تتراجع عن موقفها، وهذا لن يدفع الحكومة للرضوخ، فعندما قامت الحكومة برفع الأسعار والضرائب، كان الهدف مواجهة الأسعار العالمية.
وجميع الشركات العاملة في السوق الاستثمارية المحلية تحظى بالعديد من الميزات والإمكانات التي لا تتوافر لشركات أخرى في دول ثانية.
وقال إن العديد من الشركات لديها العديد من المشروعات في شتى المجالات، ولولا أن هذه الشركات تحقق أرباحا لقامت بتصفية أعمالها.
التأثير على النمو الاقتصادي
وحسب تحليل الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور علي حافظ فإن قرار مجموعة الخرافي بتجميد أحد مشروعاتها في المناطق الحرة أو أي شركة أخرى يعد بمثابة كارثة، على النمو الاقتصادي الذي يعتمد أساسا على الاستثمارات الأجنبية والعربية، فقدان أكثر من 5 مليارات دولار كانت ستدرها مجموعة الخرافي مأساة بمعني الكلمة إذا ما اتجهت وسارت شركات أخرى على الدرب نفسه، وقال إن «الحكومة جانبها الصواب حينما أصدرت مثل هذه القرارات فجأة من دون منح هذه الشركات فرصة لإعادة دراسة الجدوى الخاصة بها وفقا للقوانين والمستجدات التي قررتها الحكومة».
وكان يجب على الحكومة اعتبار النواحى الاقتصادية والاجتماعية والتنبؤ بحوادث المستقبل.
حوافز عديدة
وقالت أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور نهال المغربل إن الظروف والأوضاع العالمية نتيجة التضخم هي التي اضطرتها لمثل هذا الإجراء وذلك لمواجهة هذه الارتفاعات.
وقالت إن «السوق المصرية تتمع بأكثر من عامل وحافز يساهم في إغراء الشركات على الاستثمار، ومنها حجم السوق المصرية والاتفاقيات المبرمة والدول المجاورة وأهمها اتفاقيات التجارة الحرة، وهذه عوامل كفيلة بجذب الاستثمارات العربية والأجنبية». لذا على مثل هذه الشركات إعادة النظر في وضعها وتعديل دراسات الجدوى الخاصة بها وإلا ستكون هي الخاسرة.






أضف تعليقك