السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

حكاية «ختيار» يتحدّى العولمة بـ«النول»... حتى آخر رمق!



Saturday, 26 يوليو 2008
بيروت - وفاء عواد

ولأن معالم الدنيا تبدّلت، وحثّت خطاها في القرن الـ21 مودعةً ذاكرتها في متحف للتراث والذكريات، «حسم» النول «الزوقي» نسبة إلى بلدة «زوق مكايل الكسروانية» أمره وقرّر العصيان «الخجول» على الحاضر والنسيان... وفيّاً لعروس الأمس التي كانت تفاخر بأن جهاز عرسها من إنتاج الأيدي «الزوقيّة».. ومتّكئاً على النعمة التي منحتها الطبيعة لبلدته ذوق مكايل: إطلالة على شاطئ المتوسّط، هناءة بسيّدة لبنان على قمّة جبل حريصا وبآثار صخور نهر الكلب وبإبداعات مغارة جعيتا، قريب من عراقة جبيل وعمقها التاريخي، إضافة الى «جيرة العمر» مع العاصمة بيروت.

في قلب السوق الأثرية للبلدة، «البندر» سابقاً، والتي تحمل امتياز أول سوق للمشاة في لبنان (القرن السابع عشر)، وتتفاخر بكونها أول مصدّر للحرير والعباءات المطرّزة على النول، والتي اشتهر بها «آل سعادة» و«عودة» و«السلموني»، إلى «خان الإفرنج» في منطقة صيدا ومنها إلى مدينة مرسيليا الفرنسية.

كان موعد «أوان» مع الحائك «اليتيم» في المهنة، زوقي الهوية والانتماء أنطون سعادة، والذي لم تمنعه «هجرته القسريّة» عن بلدته، خلال أيام الحرب اللبنانية، من أن يحمل معه نوله أينما حلّ في «ديار الغربة»، ولم تشغله مفاعيلها عن الارتقاء بحرفته التي ورثها «أباً عن جدّ» الى مستوى التميّز في حياكة العباءات والجدرانيّات الكلاسيكيّة والحديثة، عدا عن الوجوه والنقوش الشرقية.

60 عاماً و«الختيار» يزداد عناداً!

بالنسبة إلى «أبو يحيى»، النول ليس مجرد حكاية تروى، بل هو جزء من الطفولة الذي استحال صندوقاً مشرّعاً على عالم من الخيال.. فـ«الختيار»، وفق التسمية التي يفضّل أن ينادى بها، قضى ما يزيد على الستين عاماً، ومازال «متمترساً عنيداً» حتى الآن في ركن يفوح منه عبق التراث و«يضجّ» بالخيطان، أمام نول لم يقوَ على جعله يضيق بالأيام التي تأكل مجده الغابر يوماً بعد يوم، إلى حدّ يجعله يقول: «بدّي ضلّ اتحدّى هالعولمة اللعينة... حتى آخر رمق بحياتي».. فجلّ ما فعله هذا النول هو أنه أحال أبو يحيى جزءاً منه، وحفر في ذاكرته كثيراً من حصاد الأيام.

ومن ذاكرته الملأى بالتفاصيل، يستعيد أبو يحيى مجد مهنته، كلازمة لا بدّ منها للحديث عنها.. فـ«النول انتشر، أساساً، في جبل لبنان.. وكان الرعاة الآتون من سورية يغزلون العباءات وبيوت الشعر (مضارب البدو) والأكياس والمساند والبسط بخيوط من الصوف أو شعر الماعز»، قبل أن يحتلّ النول الزوقي المرتبة الأولى بين أترابه من حيث الإتّقان والإبداع والتفرّد، «فـقد اكتسب أبناء الزوق هذه المهنة، حتى استحال من الصعب فصل اسم الزوق عن الحرير المنسوج بإتقان، فصنع الحائكون الأمتعة البديعة والوسائد والستائر ونقشوا عليها الرسوم وتفنّنوا في تطريزها»، مختصراً هذا التميّز بعبارة واحدة: «النول واحد، كما طريقة استخدامه.. لكن التنوّع يكون في الإنتاج.. وشهرة الزوق تقليديّة، قوامها جودة الحياكة ودقّة التصميم، لا كثرة الإنتاج»، ما يذكّر بما أورده الأديب الزوقي أنطوان قازان في كتابه «أدب وأدباء» بهذا الخصوص: «اللون لوحة، والخيط معجزة، والنتاج بقاء».

رحلة خيط: من «التسدّي»... حتى «التجهيز»

وبخبرة من عرف أسرار المهنة صغيراً فنقشت في ذاكرته، يبدأ سعادة شرحه بالإشارة إلى أن الخيوط المستخدمة في النول اليدوي تمرّ بعدة مراحل قبل نسجها: أولها مرحلة «التسدّي»، وهي المرحلة التي تلي خروج خيوط الحرير من المعامل على شكل «لفّات»، تحتوي كل «لفّة» منها على 200 خيط، حيث يقوم العامل بـ«فتل» الخيط على الرمل ليكتسب متانة.. بعد ذلك، يمرّ الخيط بمرحلة «الصباغة»، ثم مرحلة «التزييك» حيث يتم غسل الخيوط بالصمغ والنشاء، ويتمّ فردها تحت أشعة الشمس لتتباعد فيما بينها.. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة «اللقي»، وفيها يدخل كل خيط في مجرى يمرّ فوقه «المكّوك» لإنتاج القماشة كاملة، والتي تدخل بعد ذلك إلى «المنجلة»، وهي عبارة عن «درفيلين» من الحديد أو «الاستانلستيل» في درجة حرارة عالية، لتمرّ بينهما في مرحلة تعرف بـ«التجهيز».

آلة بسيطة... بمصطلحات لا تحصى!

ولأن لكل جزء من أجزاء النول مهمّة محدّدة في الحياكة، يصرّ أبو يحيى على ذكر «الفرس» (خشبة معلّقة بالسيف لحمل «النير»)، «الزرباوات» (قطع خشبية لحصر المشط وتثبيته بين «الدفّ» و«السجق»)، «الجحش» (قطعة خشبية مبرومة مركّزة بين «الغاروزين» الأماميين، يربط بها «القلّاب»، أي الخشبتين اللتين تتحرّكان مع حركة «الدعستين»)، إضافة الى: «المتيت» (ثقّالة توضع فوق القماش المحاك للحفاظ على استوائه)، «الميزان» (خشبة يلفّ عليها القماش للمحافظة على نظافة العمل ولإلقاء «المكاكيك» عليها)، «الزركون» (لوحة خشبية يجلس عليها الحائك)، «المكّوك» (قطعة خشبيّة ذات شكل خاص يسمح بتمريرها بين الخيطان)، «عظمة الجمل» (لتنعيم الأقمشة الصوفيّة)، عدا عن «المقصّ» و»المنقاش» و»القصبة» و»عقد الصبّ» و«قطع الشمع العسلي».

مستخدماً مصطلحات من معجم المهنة، يلفت «الختيار» إلى أن النول الزوقي يتدرّج، بتركيبته وآليّة عمله، في إطار النول العربي المؤلّف من قسمين: دولاب ونول.. الدولاب الخشبي مركّز على «خنزيرة» تدار بواسطة «مسكة» للفّ الخيطان على «الطيّارة»، والتي هي عبارة عن قفص مستدير يلفّ عليه الخيط قبل أن «يكبّ» عنه ليلفّ على «مواسير» (عقد من القصب).

ويكمل أبو يحيى الشرح بتعداد أقسام النول الستة، أي «الغواريز»: «أربعة للسقالة، أي لحمل الأكتاف والمكلّفة التي تحمل خيطان السدوة (خيطان الطول) مع الجازر (قطعة خشبية) والحتيّة (خابور من الإسفين).. واثنان مركّزان في الخلف لحمل المطواية، وهي كناية عن خشبة مستديرة، على شكل محدلة مفروزة من الوسط، تمسك بالخيوط بواسطة عيدان خشبية قصيرة (بيابير) أثناء الحياكة»، كما يضم النول 12 «دعسة»: 4 منها تستخدم في حياكة القماش «السادة»، والبقيّة مخصّصة لحياكة النقوش.

وتطول لائحة المفردات المرتبطة بهيكليّة الآلة التقليديّة: «الدرّاج» لحمل وتثبيت حركة «الدفّ» (خشبة ثقيلة متحرّكة، يدقّ بها القماش بعد كل مرة يضاف عليه خيط من خيوط «اللحمة»، أي الخيوط المنسوجة بالعرض).. و«الدفّ» مرفق بـ «مشط» (خشبة مسنّنة لتثبيت الخيطان)، «سيفين» (قطعتان خشبيّتان معلّقتان بـ«الدرّاج» لحمل المشط من أجل ضبط عملية الحياكة)، «رمح» (قطعة خشبيّة تصل بين «السيفين»، وتكون مرتكزة على «الدرّاج»)، و«سجق» (عصا مبرومة، تثبّت بين «النير» و«الدفّ» لتثبيت المشط).. «النير» (خشبتان يصل بينهما صف من الخيوط، تمرّ به خيوط «السدّة».. «الفقّاسات» (أخشاب معلّقة بحلقات تسمح لـ«النير» بالتحرّك).. «الرياحات» (قطعتان من الحبال مجدّلتان ومزنرتان بـ«زنّار»، غالباً ما يكون من العظام، لشدّ «السيفين» و«الرمح»).

وتبقى «العباءة» رمز المهنة

بعيداً عن مصطلحات عالم النول، وارتباطها المباشر والعفويّ بالأرض، يكشف أبو يحيى أن السرّ لا يكمن في آلة الحياكة، بل في مهارة الغزل، فـ«كلما كان الخيط دقيقاً رفيعاً، كان هو الأفضل»، ومن هنا جاء ارتباط المواصفات بالأرقام التي تبيّن سماكة «الغزول»، مثل «أبو 16، 21، 24..». ومن بوّابة المهارة، يشرح أبو يحيى كيفيّة صنع العباءة، والتي «تحتاج إلى 6 أمتار بعرض متر واحد من القماش المنسوج على النول، قبل قصّه إلى نصفين متساويين، يخاطان بشكل متوازن.. ثم يطوى الجانبان قبل خياطتهما.. بعد ذلك، يأتي دور التطريز بخيوط من الحرير أو بخيوط مطعّمة بالذهب من جهة الكتفين والفتحات والمقدّمة»..

يأخذ نفساً عميقاً، ويسرّح نظره الى البعيد، متحسّراً لأن مهنته التي أحبّها الى حدّ العشق لم تستهو أبناءه الثلاثة، ومعلناً في الوقت عينه رفضه تعميم مقولة إن «النول يموت بموت صاحبه».. أما كيف؟.. يلتفت نحو سعدى، رفيقة عمره و«تلميذته» في المهنة، مكتفياً بابتسامة فاقت بمعانيها كل المصطلحات التي تختزنها ذاكرته!

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.