هلّت بشايرك يا رطب... طيب يا خلال.. فاخر يا تمر
![]() |
كانت أصابعه الطويلة تتنقل بمهارة بين «الخلال» و«الرطب المناصف»، كملاقط تعيد ترتيب «الشماريخ» المحملة بالبلح شديد الصفرة داخل صناديق كرتونية. وبعينين صغيرتين مبلوعتين إلى الداخل كان يراقب المارة، ويستعرض بضاعته أمام محبي الرطب في سوق التمر المزدحم بالزبائن، بسلال تتكدس داخلها «عذوق الخلال»، فيرفع العذق عاليا وينادي بصوته الذي اختلط بباقي أصوات «الدلالين» في السوق الكائن في منطقة الشويخ «هلّت بشايرك يا رطب» و«قرّب وشوف الذهب» في حين يرد بعضهم من بعيد «طيب يا خلال»، «ممتاز يا رطب»، «فاخر يا تمر».
يستند بظهره على حافة سيارته «البيك أب» وحينما يقترب منه أحد الزبائن يزداد حماسه «خلال ذهب 24 من يشتريه»، و«عندنا رطب مسامير الركب». وبينما يقلب الزبون حبات البلح أو الخلال يقطع لنفسه حبة رطب مكتنزة ارتكز نصفها الأصفر الاسطواني على شمروخ ومثبتة بقمع في حين نصفها الآخر مدبب سائب يميل إلى اللون العسلي فيضعها في حركة بطيئة (سلو موشن) في فمه ليغرز أسنانه في ثمرة الرطب فيقسمها إلى قسمين، ثم يقلبها بلسانه ليستحلب عصيرها السكري ويمضغها قبل أن يبلعها، وإن كان النصف الأصفر من الرطبة يغلب عليه طعم قابض مع شيء يسير من الحلاوة، في حين تتجمع الحلاوة فى الجزء الناضج. وفي النهاية يقرّب آكل الرطب طرفي إبهامه وسبابته من طرف لسانه ليبللهما ببقايا ريقه ليتخلص من «الدبق».
للرطب حكاية أبعد من المواسم، وللخلال ألوان وأشكال وأنواع ومذاقات مختلفة، وأيضا أسعار متباينة وزبائن مختلفون. ولقراءة موروث ثمرة التمر في منطقة الجزيرة العربية تفاصيل وقصص كثيرة بعضها يلامس شاعرية وثقافة البدوي، والآخر تحكمه ظروف البيئة وصعوبة المعيشة.
وفي الكويت ترفع ثمار «خلال البرحي» أسعار بورصة التمر في السوق المحلي فهي الأكثر شهرة وإقبالا عند الخاصة والذويقة، في حين ينفرد «الخلاص» و«السكري» و«الصقعي» و«الرزيزي» و«الزهدي» و«الشقرة» و«المكتومي» و«الخضراوي» و«الهلالي» باهتمام العامة، وإن كان «السعمران» و«الساير» و«الصبحاني» و«البريم» و«الحلاوي» تلفت الأنظار وتثير الدهشة والإعجاب.
لا غرابة فالعالم يعجّ بأكثر من 4000 نوع من أنواع النخيل، وقد بلغ الإنتاج العالمي للتمر في السنة 2006/2007 ما مجمله 3.11 ملايين طن. وفي الكويت توجد 1.3 مليون نخلة منها 357 ألف نخلة مثمرة يتركز حوالي 95 % منها في منطقتي الوفرة والعبدلي. ويبلغ حجم الإنتاج السنوي في البلاد حوالي 18 ألف طن، وهو ما يحقق اكتفاء ذاتيا بنسبة 93.3 %. ويبلغ معدل إنتاج النخلة الواحدة 65 كيلو غراما.
يفتتح «السعمران» موسم الخلال والرطب الكويتي باعتباره من الأصناف المبكرة جدا، بينما يأتي البرحي والخلاص بعده ويتأخر كل من «الهلالي» و«الخصاب» إلى نهاية الموسم وإن كان خلال «الدقل» الأقل قيمة ويستخدم علفا للماشية.
تتراوح أسعار كيلو الخلال والرطب بين دينار و5 دنانير، ويفضل الكويتي عادة التمور المحلية الطازجة بعيدا عما تبيعه الثلاجات من رطب «مكنوز» (مخزن) لفترات طويلة فاقدا نكهته الخاصة، كما يفقد التمر هو الآخر جزءا من قيمته إذا «دار عليه الحول».
وللتمر فوائد غذائية وطبية لا يمكن حصرها، حيث يحتوى على معظم العناصر الغذائية الأساسية. وله فوائد نفسية أيضا حيث يهدئ النفوس المضطربة ويمنح السكينة والراحة لأصحاب المزاج المتقلب.






أضف تعليقك