راهب الفن العراقي يوسف العاني يستعيد أهم محطات الرحلة
![]() |
أنت في حضرة يوسف العاني.. أو في حضرة 60 عاما من حضارة وثقافة العراق.. أمام إحدى الحالات النادرة في تاريخ الفن العربي المعاصر، لم ينقطع عطاؤه يوما في مجالات الفنون المختلفة، المسرح، السينما، التلفزيون..
ولا في تأليف الكتب وكتابة المقالات النقدية.. يوسف العاني هو عنوان لرحلة إبداع مستمرة أثرتها معايشة التجربة المسرحية بجميع عناصرها، التأليف، التمثيل، الإخراج. كلمة الريادة قد لا تفي هذا المبدع حقه فهو «الأب الروحي» للمسرح العراقي وأحد أهم الرموز التي وضعت أسسه.
حمل شهادة المحاماة بعد تخرجه في كلية الحقوق العام 1950 «ليدافع» عن هموم وقضايا مجتمعه العراقي، لكنه لم يختر ساحات المحاكم ميدانا له بعد أن سيطرت على وجدانه «دوامة» لذيذة اختارت يوسف العاني أو اختارها، لتضيف إلى تراث المسرح العراقي مجموعة من أهم الأعمال المسرحية بدأها بكتابة مسرحية «رأس الشليلة» العام 1951، ليتوالى الإبداع مع مسرحيات «إني أمك يا شاكر» «ست دراهم» «الغذاء لا الدواء» «المفتاح» «الخرابة» ويصل العدد إلى 58 مسرحية تأليفا و66 تمثيلا.
يوسف العاني هو «الأب الروحي» للسينما الواقعية العراقية الجديدة، فقد كتب ومثل العام 1957 فيلم «سعيد أفندي» -أول فيلم عراقي ينتمي إلى هذا التيار- ثم توالت رحلته السينمائية لتضم 12 فيلما.. ضمنها مساهمات في السينما العربية مع يوسف شاهين في فيلم «اليوم السادس» والمخرج التونسي رضا الباهي في فيلم «السنونو لن يموت في القدس»، كما ساهم العاني منذ افتتاح التلفزيون العراقي العام 1958 في ولادة الدراما العراقية من خلال 60 مسلسلاً تلفزيونياً.
أثناء زيارة قام بها العاني أخيراً إلى القاهرة.. جمعني به لقاء شاركنا خلاله في احتساء فناجين القهوة الساخنة.. العراق والفن والتاريخ.. عدت معه إلى 60 عاما مضت لأعرف منه في البداية:
{ ما العناصر التي شكلت شخصية يوسف العاني الفنية؟ هل هو نتاج قراءات أو مشاهدات أم أن المصادفة أدت دوراً في ذلك؟
- ليس هناك عنصر واحد محدد إنما عناصر كثيرة ومتعددة أيضاً، البداية بالنسبة للمسرح كانت هدفا أو رغبة أن أقف على خشبة المسرح ذات يوم. المصادفة كما ذكرت أدت دورها.. دفعتني إلى البحث عن أبوابه ومنافذه التي أصل عبرها إلى تحقيق هذه الهواية كي تشبع رغبة ولدت داخلي من جهة وتترك الأثر المهم والمؤثر لدى المتلقي. السينما لها مصادفتها الطريفة معي.
عندما كنت في المرحلة الابتدائية تحديداً في الصف الرابع الابتدائي كان لدي ابن خال يحب السينما أخذني ذات مرة كي أشاهد فيلماً معه، هذا الفيلم كان يحكي عن طرازن... فإذا بي أشاهد ظلاما يملأ قاعة العرض، ثم وجدت أغصانا متشابكة وحيوانات والذئب أو النمر يأكل غزالة ودماء تسيل.. بدأت ارتجف خوفا، فقد خُيل لي أن المسألة حقيقية وواقعية بسبب صغر سني. أصبت برعب وطلبت من ابن خالي أن يخرجني على الفور من هذا الظلام والرعب. عندما عدت إلى البيت وأنا ارتجف هلعا، سألتني أمي هل استمتعت بالسينما، فقل لها لعنة الله على السينما ومن يشاهدها!! فقالت لي لماذا؟ قصصت عليها بشاعة ما رأيته من مناظر، في الصباح أخذتني أمي إلى (الملا) الذي قرأ آيات على رأسي حتى هدأتُ وعمل لي حجاباً -كما ذكرت أمي- « حتى يبعد عنك جن السينما!».
الصراع مع الرجعية
{ كشاهد على عصر من تاريخ الفن العراقي... هل شعرت بمواجهة عوائق اجتماعية ضاعفت من صعوبة رحلتكم إضافة إلى مسؤولية تحديث نظرة المجتمع العراقي إلى هذا الكائن الجميل الذي يُسمى المسرح؟
- أكيد الصراع كان موجودا، ذيول الرجعية ظلت لفترة طويلة تقف ضد الشيء الذي يُسمى المسرح، أما السينما فكانت أكبر وأفظع، إذ كانوا يعتبرونه كفرًا واستهتارًا... لكن تغلب الجانب الحضاري في النهاية.
أذكر أنه لم يكن للمرأة وجود على خشبة المسرح العراقي، إذ يؤدي الرجال الأدوار النسائية، لكن مع مرور الوقت واتساع الوعي والجهود المبذولة لإرساء النظرة التقدمية للحياة، دفعنا المرأة العراقية والطالبة في الكلية للوقوف على المسرح، مثلا في العام 1948 أصبح لدينا فتيات من عائلات مرموقة ومعروفة يمثلن على المسرح.
كسروا التحجر العقلي لأنهم قرروا أن يكونوا أقوى منه، حين مثلت «عايدة عسيران» -وهي ابنة أحد أعرق الأسر- في العام 1949 بمسرحية (أوديب) التي أخرجها أستاذنا (حقي الشبيلي) فإن هذه الخطوة ومثيلاتها حملت مغزى اجتماعيًا مؤثرًا، حين يشاهد المجتمع عايدة عسيران تمثل وكذلك طالبات بكلية الطب مثل «د.سميرة بابان ومبجل بابان» وغيرهن من الطالبات، تنتقل العدوى إلى باقي العائلات التي بدأت تدريجيا السماح لبناتها بدخول مجال المسرح والالتحاق بمعهد الفنون الجميلة فرع التمثيل. ثم إن النظرة تغيرت أيضا حين لمس الجمهور المناخ المحترم السائد على المسرح أو على حد تعبيري المفضل «هو أشبه بمدرسة بلا صفوف».
{ ما أدوات الفنان يوسف العاني التي يسيطر بها على جمهوره في المسرح؟ وهل أدوات الضحك أصعب أم أدوات البكاء؟
- بالنسبة لي لا اختلاف عندي بين الكوميديا والجانب المأساوي، فالممثل لابد أن يكون ممثلا لكل الأدوار التي تناط به إذا كان متمكنا من موهبته كممثل قدير.
أدوات الممثل معروفة؛ أولاً يحسن تفهم الشخصية التي يؤديها ويستبعدها مع نفسه، لا أن يندمج معها، مثل ما جاء في أسلوب «ستانسلافسكي». أنا مؤمن بأسلوب «بريخت» الذي يختلف في صيغة التمثيل -وليس الطريقة نفسها- التي ينبغي أن يتسلح بها الممثل وهي أن يبقى حاضراً في أدائه، ولا يغيب حتى لا يقع في خطأ تحويل التأثير إلى تأثير عاطفي بدلا من أن يكون التأثير فكريا. جمعتني صداقة مع النجم الأساسي في فرقة «بريخت» بعد مشاهدتي له في مسرحية «صعود أرتورو أوي» -من أصعب مسرحيات بريخت-، كان يمثل ويقفز ويرمي نفسه ويتدحرج، على رغم ذلك استطعت سماع كل حرف من كلماته.. بهرتني قدرته العظيمة المخيفة، حين دعوته للخروج بعد العرض، لم أستطع كتم فضولي، فقلت له «أنت صرخت وتدحرجت.. من الممكن أن تتأذى نتيجة كل الانفعالات والحركات العنيفة»..هل تعرفين ما أجابني.. قال لي «أنا لم أصرخ، لكني مثلت الصراخ!».
هذا الحادث كسر عندي قضية متخلفة عند الممثل العربي بعامة مع الأسف هو أنه يصرخ، بينما «أوكهارد» أكد لي انه مثل الصراخ وفقا للنظرية البريختية في الأداء. الممثل يجب أن يتسلح بقضايا كثيرة أهمها الثقافة، الممثل من دون ثقافة مهما بلغت موهبته سيصل إلى درجة معينة من النجاح يقف عندها لأن ثقافته توقفت عند هذا الحد، فالثقافة تطور الممثل وتمنحه بعدًا في الرؤية ووعيًا لما يؤديه على المسرح.
{ لكن يقال إن استحضار دموع المشاهدين أسهل من انتزاع ضحكاتهم؟
- لا اعترف بهذه التفرقة.. الممثل يجب أن يكون جديراً بكلتا القضيتين، حين نتحدث عن ممثل قدير، مثقف، يعي أدوات وأبعاد مهنته، تصبح الحال واحدة، على المسرح أستطيع أن أبكي الجمهور كلما أردت، اتفق أن ما اسميه «الضحك المثقف» هو لون أدائي صعب جداً -وليس التهريج تحت مسمى الكوميديا التي تحول الممثل الكوميدي إلى (مسخرة)- أنا أقصد الكوميديا العالية. لا يوجد مسرح حقيقي يخلو من الجدية حتى في الكوميديا، الضحك ليس عملية تنتهي بعد ثوانٍ، إنما تستمد قيمتها من وجود فكرة أو قضية تبقى في ذهن المتلقي بعد الضحك.
ثبات الممثل
{ هناك رأي يقول إن التمثيل في التليفزيون -مهما بلغ- لا يرضي غرور الفنان الذي يظل في داخله حلم الوقوف أمام كاميرا السينما أو المسرح؟
- هذه الصيغة لا يشترط تطبيقها حرفيا.. فالممثل يبقى ممثلا، عليه أن يتكيف مع الحالات الأدائية المختلفة التي تتطلبها المجالات الثلاثة سواء كاميرا التليفزيون أو كاميرا السينما أو خشبة المسرح، فأنا أميل إلى اعتبار الممثل شخصا محترفا يمتلك موهبة وعليه رعايتها والحفاظ عليها بمنطق الاحتراف. يختلف المسرح في عنصر الديمومة واستمرارية العطاء، طبيعة العمل المسرحي هي الاستمرار في الأداء حتى ينتهي المشهد بخروج ممثل ودخول آخر.. السينما والمسرح يمنحان نوعًا مختلفًا من المتعة المجزئة بين مشهد ومشهد. عموما الممثل عندما يتمكن من أدواته تصبح الحالة في تقديري واحدة، ولكن باعتبارنا مسرحيين -نشأنا في المسرح وهو الأساس- يظل المسرح هو الجانب القدسي في حياتنا، بالتالي كل ما يجري على خشبة المسرح من عطاء هو السعادة الأكثر عمقاً في نفوسنا.
{ هل تشعر بوجود تشويه للفن العراقي في مستوى ما يُقدم حاليا؟
- ليست قضية تشويه، لكننا نمر بظروف غير طبيعية، بالتالي تصبح جميع إفرازات المجتمع قضايا غير طبيعية. ظروف عمل السينما حاليا صعبة بحكم متطالباتها التقنية الخاصة، المسرح الآن انقسم إلى المسرح المصّدر والمسرح المهجّر.. الأول يعتمد على أعمال تعد في مصلحة السينما والمسرح، وفي كلية الفنون تنتج ليوم واحد ظهراً حتى يكون سفر هذه المسرحيات للمشاركة في المهرجانات أو الملتقيات المسرحية مبررا وبجدارة لأنها أعمال مدروسة. أما المسرح المهجّر الذي هجر أعضاؤه خارج العراق وبدؤوا يعملون إنتاجات لا تختلف عن صيغة المسرح التجاري بعد تحوله إلى عمل من أجل الرزق وإضحاك الناس بأية طريقة.
كل ما ذكرته لا يعني عدم وجود عناصر أخرى مثقفة ارتقت بمستوى المسرح، لكن انطلاق المسرح لا بد أن يكون من البلد الذي يخرج منه ولشعب البلد الذي خرج منه.
{ مرحلة الأحلام لم تنته بالنسبة لك؟
- لا.. أبداً، مثلاً أنا انتهيت الآن من تأليف أربع كتب جاهزة للطبع.. الأحلام لا تموت عندي طالما أعيش في حالة إنجاز وعطاء مستمر كممثل أو مخرج أو كاتب. أعترف بأني أحلم بتحقيق قضايا كثيرة، لكن الظروف المعيقة جعلت من الصعب تنفيذ ما أريد حتى على المدى البعيد، على رغم ذلك ما زلت أمتلك في داخلي الرغبة في العطاء، وأؤكد أن التشبث ببارقة الأمل في النفوس هو الحل الوحيد أمامنا.






أضف تعليقك