السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

«قصة حب الفصول الأخيرة».. الحرب وتشظي الذاكرة



Sunday, 27 يوليو 2008
عواد علي

مثلما يحول سرد الحكايات دون موت شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»، فإن رغبة الرجل، الذي يمتهن سرد الحكايات، أيضاً، في مسرحية «قصة حب الفصول الأخيرة»، للفرنسي جان لاغارس، في كتابة قصة الحب الملتبسة التي عاشها تحول دون انتحاره. في هذه المسرحية، التي أخرجها نبيل الخطيب، وعرضت مؤخراً في مركز الحسين الثقافي في عمّان، تنمحي الحدود بين الدراما والحكي، ويتداخل في سرد الأحداث صوت الراوي بضمير الغائب مع صوت السارد البطل بضمير المتكلم. وفي كلا الصوتين يهيمن المبدأ أو الخطاب اللايقيني (اللاحتمي)، والتصوير الخاطف للشخصيات، والتكرار في الحوار/ الحكي ، الشبيه بالتكرار الشائع في أدب وادي الرافدين، وتشظيهما إلى أجزاء من جمل على غرار الجمل التي نستخدمها في الحياة اليومية، وتكشف عن صعوبة التعبير، وهشاشة الذاكرة.

القصة أقوى من الخيانة

وكما فعل في مسرحيته السابقة «نهاية العالم ليس إلاّ» يسترجع لاغاس (1957 1995) حياة شخصياته الثلاث (المرأة، الرجل الأول، والرجل الثاني) خلال عشر سنوات في لعبة زمنية غريبة تقوم على الانتقال من الحاضر إلى الماضي، ومن الماضي إلى الحاضر من دون أي إشارة ترشدنا إلى ذلك الانتقال. ويصعب على متلقي العرض جمع شتات تلك الحياة المشتركة والمبعثرة، في آن واحد، من دون قراءة النص بدقة لإعادة تركيب الأحداث والعلاقات بين الشخصيات، وهذا ما فعلته بعد مشاهدة العرض، الذي مثله بإتقان وفهم عميق لروح النص: سهير عودة (المرأة)، عماد الشاعر (الرجل الأول)، وأحمد العمري (الرجل الثاني)، فأمسك بخيوط القصة: ثلاثة أصدقاء (رجلان وامرأة) يلتقون، بعد فراق دام عشر سنوات، في بيت بناه الرجل الثاني خلال الحرب في المدينة الجديدة التي لا تبعد كثيراً عن المدينة القديمة المدمرة، وهناك يحاولون استذكار، أو كتابة، أو قراءة ما حدث لهم في تلك السنوات (هكذا تتعدد الاحتمالات في سياق المبدأ اللايقيني)، فيتضح تدريجياً أنهم كانوا يعيشون في بيت واحد بالمدينة القديمة، يتنزهون عادةً على التلة، ويحكون لبعضهم حكايات. وذات ليلة يكتشف الرجل الأول حدوث خيانة، فيغادر المنزل إلى النهر ليلقي نفسه فيه، لكن القصة كانت تُبنى بهدوء شديد في رأسه على إيقاع خطواته في الشوارع المقفرة، وحينما يصل إلى النهر يفكر بالقصة الجميلة التي يمكن ان تولد عن هذا. وقبل أن يقفز تكون القصة جاهزة، فيستدير عائداً ليكتبها.

مدينة بلا ملامح

بعد ذلك يفترق الرجل عن صديقيه، ويعيش وحده في بيت آخر. أما الرجل الثاني والمرأة فيظلان معاً، ثم ينفصلان بعد فترة قصيرة. كل ذلك حدث قبل الحرب. المرأة تذهب لتعيش في بلد آخر، هو البلد الذي كانت فيه الحرب. وهناك تتعلم الغناء. والرجل الثاني يفتش عن عمل ويقرر أن يصبح مهندسا معمارياً، ويحبس المرأة في البيت الذي يشيده لنفسه عندما تعود ليخفف من خوفه لأن مرضه هو الخوف، وحين تعود تجد الرجلين بانتظارها، والشيء الوحيد الذي تبقى من المدينة القديمة هو محطة القطار ( ترمز لاستمرارية الحياة)، فتختار السكن مع الثاني في المدينة الجديدة، وتترك الرجل الأول، الذي بقي وحده في المدينة القديمة المدمرة، الممسوحة عن وجه الأرض أسفل التلة. لقد كان يكتب كتاباً أو مسرحيةً أو أغنية «قصة حب»، وبدأ يمرض، يتكلم في الليل أثناء نومه. وها هو يريد أن يكتب قصة حب، تكون سرداً لما كانت عليه حياة كل واحد منهما، كما يراها اليوم. وفي الختام، حيث لا نهاية بالمعنى المألوف، يعمق المؤلف جان لاغارس مبدأ اللايقين أكثر فأكثر ليبلبل ذهن المتلقي، ويتركه أسيراً للتخمين والتساؤلات. فالمتلقي لا يجد تفسيراً لكل هذا التشظي إلا بأن يعزوه إلى الشرخ النفسي والوجودي الذي تركته الحرب في الشخصيات الثلاث، فهي التي أرغمتها على العزلة، وقطعت التواصل بينها، وهشمت ذاكرتها، وجعلتها تهذي في سردها للأحداث الماضية، واضعةً احتمالات شتى لأبسط الأشياء، وكأنها كانت في غيبوبة. ويتكرر في المسرحية أن المدينة القديمة المدمرة، الممسوحة عن وجه الأرض (المؤلف لا يعطيها اسماً ولا يؤرخ لها)، كانت ريفاً، أو تشبه الريف، حيث لا طرقات ولا بيوت، وحين بُنيت المدينة الجديدة لم ينتقل إليها الرجل الأول. ويشير ذلك إلى تشبثه بعالم ماقبل الحرب، فهو الأجمل والأكثر تعبيراً عن المرحلة الرومانسية في حياته، المرحلة التي عاش فيها قصة الحب يوم كان في بداية العشرينيات من عمره. ويبدو أن لاغاس أراد أن يوحي من خلال ذلك إلى أن الحياة في أوروبا كانت قبل الحرب العالمية الثانية أكثر إنسانيةً وبساطةً وشاعريةً من حياة ما بعد الحرب، التي شابها التعقيد، واهتزت فيها المثل، وتجذرت أزمة الإنسان الوجودية. وقد عمد المخرج نبيل الخطيب إلى تجسيد تلك المدينة، في السينوغرافيا، بشكل تعبيري مختزل ومقلوب، وهي تتدلى بأسلاك من سقف المسرح إلى فضاء العرض، كعلامة بصرية تشير إلى صورتها في الحلم (في الحلم غالباً ما تظهر الأشياء مقلوبةً، أو على غير طبيعتها في الواقع).

نجاح المغامرة

إن الطابع السردي لنص «قصة حب الفصول الأخيرة»، فضلاً عن ميزاته الأخرى التي أشرت إلى بعضها، لا يشجّع، في اعتقادي، الكثير من مخرجي اليوم على تقديمه في عرض مسرحي متكامل على الخشبة، ولذا أرى أن اختيار نبيل الخطيب له كان مغامرة «مجنونةً»، لقد أثبت نبيل الخطيب، في مغامرته الإخراجية لهذا النص الصعب، أنه مخرج ذو مخيلة خصبة، وحساسية شعرية عالية، وقدرة كبيرة على النفاذ إلى العوالم المتشابكة للنصوص الحديثة، واستنطاقها في بنى مشهدية بصرية وسمعية آخاذة.

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.