Published on صحيفة أوان (http://www.awan.com.kw)
معركة البصرة وساطة إيرانية «مسلّحة» بين حلفاء طهران

الخميس, 27 مارس 2008
سرمد الطائي

كيف لنا أن نفهم بسهولة كل هذا الحماس من رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي لضرب ميليشيا المهدي التي يتزعمها مقتدى الصدر، وإصراره على أن يشرف بنفسه على إدارة المعارك في البصرة؟

وأتحدث هنا عن «حماس» المالكي لا عن العملية العسكرية نفسها، فهجمات الجيش منسقة من قبل القوات الأميركية وهو لا يستطيع إطلاق النار دون موافقة واشنطن ودعمها، وللأميركان غاياتهم الخاصة من ضرب جيش المهدي، ولاسيما مع الانطلاق المتلكئ لمحادثات الاتفاقية الاستراتيجية حول مستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن، والتي تعرقلها راديكالية الصدر وحذر آية الله السيستاني.

لكنني أحاول هنا أن أفهم «حماس» المالكي، وهو المتردد دوما في التعامل مع الصدر. لا نحتاج هنا أن نتذكر أفضال الصدر على المالكي، وأن كفة رئيس الحكومة الحالي رجحت العام 2006 على حساب مرشح آخر لرئاسة الحكومة هو عادل عبد المهدي، بفضل أصوات الكتلة الصدرية التي دعمته.

كما ليس الأمر بحاجة إلى التذكير أيضا بتحمس رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي لتوجيه ضربة قوية إلى تلك الميليشيا يوم كانت لا تزال وليدة وغير منظمة ويمكن القضاء عليها، وهو تحمس كان سببا أساسيا في توتر علاقة علاوي بالأحزاب الشيعية ربيع وصيف العام 2004، حيث غضب كبار ساسة الشيعة مثل أحمد الجلبي وإبراهيم الجعفري إلى جانب نوري المالكي داعين إلى التعامل «برفق» وعدم الإفراط في استخدام القوة لأن جيش المهدي «ليس إرهابيا».

لكن هؤلاء أنفسهم يوجهون اليوم إلى مقتدى الصدر ضربات أقسى من تلك التي وجهها علاوي قبل أربعة أعوام.

لا نحتاج كذلك إلى تذكّر أن طرفي الاقتتال حليفان لإيران ومن الصعب أن نفاضل بين درجة العلاقة التي تجمع طهران بالصدر وعبد العزيز الحكيم الذي أُحرقت مقراته أمس على يد ميليشيا المهدي في بغداد.

ما الذي يجري إذن.. وكيف يتحول الزعماء الشيعية المدافعين عن الصدر، إلى «إياد علاوي أكثر قسوة» يضربه لخروجه عن القانون؟

ثم ألم يكن الصدر خارجا عن القانون العام الماضي أو الذي قبله؟

الأكثر من كل هذا أن الصدر يتعرض إلى ضربة من حلفائه الشيعة، وهو في أكثر حالاته هدوءاً.. لأن تجميد جيش المهدي كان قرار هدنة شبه حقيقي، وقد انخفض العنف الطائفي إلى حد كبير على مدى الأشهر الثمانية الماضية، فلماذا يضربون ميليشيا كفّت عن تكديس الجثث المجهولة في شوارع بغداد وقلّصت من نشاطها العسكري؟

لكن الميليشيا وجناحها السياسي في الكتلة الصدرية، راحت تطالب بحصة سياسية أكبر في الوقت ذاته. وقد استخدم الصدر أوراق ضغط عديدة لكي يحصل على «حجمه السياسي» داخل كتلة الائتلاف الشيعية، وهي الأكبر في البرلمان، كان آخرها تعليق وزرائه الخمسة لعضويتهم في الحكومة منتصف العام الماضي، ثم تقديم الوزراء لاستقالاتهم، وأخيرا إعلان الانشقاق عن الكتلة الشيعية في البرلمان، إضافة إلى تجميد جيش المهدي. لكن كل ذلك لم يقنع الأطراف المعنية بالرضوخ لمطالب مقتدى الذي يشعر ومعه جيوش من الفقراء والمقاتلين، أن من حقه أن لا يجري ابتلاعه داخل إقليم شيعي من تسع محافظات بإمرة عمار ابن عبد العزيز الحكيم، وهو ما يختصر الخلافات الشيعية حول المبدأ الفيدرالي وقانون المحافظات. ولا نريد هنا أن نتحدث عن أغنى مكامن النفط في العالم (تقول الأرقام العراقية إن في البصرة 8 في المائة من احتياطي النفط العالمي).

يبدو أن مرحلة استثمار الصدر قد دخلت طورا آخر اليوم، فخلال الاحتراب الطائفي الذي اندلع بقوة في فبراير (شباط) 2006 وخصوصا داخل بغداد، شجعت الأحزاب الشيعية تيار الصدر على «الثأر» من الطائفة الأخرى وظلت تدافع عنه فتورطت ميليشيا المهدي في أبشع قتال طائفي شهده العراق خلال القرون الماضية، وكانت حكومة الجعفري والمالكي ووزراء تابعون للحكيم نفسه، يصفقون للصدر ويوفرون له الغطاء الحكومي، فيتنقل جيش المهدي بسيارات الشرطة ويحمل أوراقها وتراخيصها وأسلحتها، مستفيدا من حظر التجوال الرسمي!

لقد خرج الصدر من تلك المهمة أقوى بكثير من السابق، فاستفاد قادته الميدانيون وهم أشبه بتجار الأزمة، من أنهار الدم العراقي لينظموا خلاياهم على أفضل وجه، ما وفر دعما كبيرا للكتلة الصدرية في البرلمان والتي راحت تطالب بالعديد من الاستحقاقات في صراعها على النفوذ مع باقي الأحزاب الشيعية.

لقد أدت اللعبة التي بدأها الصدر داخل الائتلاف، إلى تفكك خطير للكتلة الحليفة لإيران، عززها انسحاب آخر لحزب الفضيلة المهيمن سياسيا على البصرة، ولم تفلح كل المحاولات في إعادة ترتيب البيت الشيعي، وأخذ الصدر يكبر ويكبر ويبني تفاهماته الخاصة مع كتل «معادية» مثل جبهة التوافق السنية وجبهة الحوار بزعامة صالح المطلك، والأخطر من ذلك الحوارات التي تجمع الصدريين مع الخصم القديم إياد علاوي. فهل تقف إيران مكتوفة الأيدي وهي ترى أجزاء من تيار الصدر على الأقل، خارج السيطرة؟ شعور الصدر بتعاظم القوة لا بد من كبحه، وحين تخفق الوساطات السياسية في العراق فإن الاستجابة لشروط المناخ العام لن تأخذنا أبعد من «وساطة مسلحة» يمكن لنيرانها ودمائها أن تقنع الجميع بأحجام معقولة وتعيد ترتيب البيت الحليف لطهران وصياغة علاقات أكثر استقرارا بين البيوتات النجفية «الصدر - الحكيم» والأحزاب الشيعية.. إن المعركة من منظور تحمس المالكي هي حرب إيران على الأرض العراقية، وربما حرب النجف على أرض البصرة وبين أزقة أحياء المهاجرين الكبيرة شمالي العشّار وغربه. وللأمر صلة دون شك بتلكؤ جولة المحادثات الرابعة بين طهران وواشنطن على «التخت البغدادي» والتي تأجلت أكثر من مرة على نحو يوحي بأن التسويات السابقة باتت في خطر.

وأخيرا هل سيبقى المالكي في منصبه بعد أن تورط في دماء الصدريين؟ هل ننتظر تسوية كبرى بين الصدر والحكيم بعد معارك ربما تطول نسبيا، تنجح بعدها إيران في بناء سلام معقول بين «جيش المهدي وعادل عبد المهدي» وهو المرشح الأقوى لرئاسة الحكومة عند المجلس الأعلى، ليكون المالكي مجرد جزء آخر من قرابين إقليم الشيعة الكبير؟



الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة
وظائف شاغرة -اتصل بنا - دليل هواتف أوان شركة حوار للإعلام
©2008 Hiwar Media Co 

 

Source URL: http://www.awan.com.kw/node/48120